أبي منصور الماتريدي

51

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لوجود السكنى . وبعد : فإن الحنث أقرب في البيت ؛ لأن الله تعالى أضاف البيوت إليهن في كتابه وإن كن هن فيها بإعارة ولم يوجد في السكنى ذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ . و مُبَيِّنَةٍ قرئا جميعا : فمنهم من حمل الاستثناء [ بقوله : إِلَّا ] « 1 » على قوله : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ، وصرفه إليه . ومنهم من صرفه إلى قوله : وَلا يَخْرُجْنَ ولكل من ذلك وجهان : فأما من حمله على قوله : لا تُخْرِجُوهُنَّ فإنه جعله استثناء ، وللاستثناء وجهان : أحدهما : لا تخرجوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي : بزنى يزنين ، فتخرجوهن ؛ لإقامة الحد عليهن . أو لا تخرجوهن إلا أن يظهر منهن بذاءة اللسان على أهل أزواجهن فتخرجوهن ؛ لمكان البذاءة التي في لسانهن . ومن حمله على قوله : وَلا يَخْرُجْنَ ؛ فإنه يجعل معنى قوله : إِلَّا على معنى : لكن ؛ كما قيل في قوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً [ مريم : 62 ] ، أي : لا يسمعون فيها لغوا ، ولكن سلاما ، إذ لا يحتمل استثناء السلام من اللغو ؛ لما ليس في جملة اللغو سلام ؛ فيستثنى منه فكذلك قوله - عزّ وجل - : وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ فكأنه قال : لا يخرجن ، ولكن إذا خرجن فخروجهن فاحشة ، ويدل هذا على أن النهي لنفس الخروج ، لا للانتقال . ووجه آخر في ذلك ، وهو : ألا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ، فإنهن إذا خرجن ، خشي عليهن أن يأتين بفاحشة مبينة كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر » « 2 » ، وكان المعنى من ذلك : أنه إذا تزوج فوطئ فهو عاهر ، ولكن نهي عن النكاح ؛ لأنه يخشى عليه في النكاح أن يطأها فيصير عاهرا ، لا أن يكون نفس التزوج منه زنى ، فكذلك وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ فيكون النهي لا عن نفس الخروج ، ولكن لكونه سببا للفاحشة في الجملة ، وطريقا إليها . ثم قوله - عزّ وجل - : مُبَيِّنَةٍ .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 2 / 404 ) أبواب النكاح ، باب : ما جاء في نكاح العبد ( 1111 ) و ( 1112 ) وأبو داود ( 1 / 633 ) كتاب النكاح ، باب : في نكاح العبد ( 2078 ) من حديث جابر بن عبد الله ، وقال الترمذي : حديث حسن .